ابن كثير
288
البداية والنهاية
رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه ، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : " إن إخوانكم لقوا العدو ، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه " قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتهم ، ثم أتاهم فقال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعوا لي بني أخي " قال فجئ بنا كأننا أفرخ ، فقال " ادعوا لي الحلاق " فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا ، ثم قال " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال " اللهم اخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه " قالها ثلاث مرات . قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له فقال " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟ " ورواه أبو داود ببعضه ، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به ، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها . ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت " تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الاحداد ثلاثة أيام ، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الاحداد المعتاد والله أعلم . ويروى تسلي ثلاثا - أي تصبري ثلاثا - وهذا بخلاف الرواية الأخرى والله أعلم . فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن طلحة ، ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء بنت عميس قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال : لا تحدي بعد يومك هذا . فإنه من أفراد أحمد أيضا . وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لأنه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الاحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم . قلت : ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها : فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى * أكر وأحمي في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها فخطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة فكان فيهم علي بن أبي طالب ، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر رضي الله عنهما